"عقدة ليليت".. الأنوثة في أعنف صورها

الأربعاء, 11 مارس 2015
الكاتب عين الجمهورية
قسم فرعي: مجتمــع

في مقال سابق تحدثنا عما يسميه علم النفس "عقدة أوديب"، واليوم نأتي باضطراب نفسي جديد يحدث عند المرأة ويُسمى "عقدة ليليث أو ليليت"، وكما كان الأمر في عقدة أوديب فإن عقدة ليليث تعود في جذورها الأساسية إلى أسطورة قديمة.

*الأسطورة الأم للعقدة

تعني ليليت في العبرية "العتمة والظلام"، ومنذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة تطلق عليها في الأساطير تسمية جنية الليل المجنحة، واعتبرها السومريون والبابليون والآشوريون والكنعانيون والفرس والعرب آلهة الفسق وغاوية وقاتلة للأطفال.

ووفق التفسيرات المتأخرة كانت ليليت وفق سفر التكوين الزوجة الأولى لآدم، فحسب الروايات اليهودية خلق الله سبحانه وتعالى ليليت، الزوجة الأولى لآدم بالطريقة نفسها التي خلق بها آدم، غير أن آدم وليليت لم يتفقا مع بعضهما أبداً، فلم تكن ليليت مستعدة للخضوع لآدم، وقد بررت مطالبتها بالمساواة مع آدم بأنها قد خلقت من التراب نفسه الذي خُلق منه آدم، وقد عبرت ليليت عن مساواتها مع آدم من خلال امتناعها عن أن يلقي آدم جسده فوقها أثناء ممارسة الجنس، فقد أرادت أن تكون مشاركة في الفعل الجنسي بصورة فاعلة و"تنام" فوق آدم.

قاد امتناع ليليت عن الخضوع لآدم إلى قلقه وغضبه، وأدت حدة الخلافات بينهما إلى هروب ليليت من الجنة في النهاية، ومن هنا نشأت الصورة الأولى لليليت باعتبارها "الأنثى الشهوانية"، ولاحقاً باعتبارها آلهة الفسق والفجور، وكان عقابها بأن قضي عليها أبداً أن تظل غاوية شهوانية وقاتلة أطفال مرعبة وأن تعيش في الأماكن الموحشة والمقفرة من الأرض بين الحيوانات الكاسرة.

*ما هي عقدة ليليث؟

على هذا النحو قُسمت صورة الأنثى منذ آلاف من السنين إلى حواء وليليت، حيث تقدَّس صورة حواء وتلعن صورة ليليت وتحرمها، وعليه فإن حواء ترمز لخضوع المرأة والسلبية الجنسية وللزواج الأحادي والأمومة والتضحية والعبادة وتربية الأولاد وخدمتهم، وهو في الواقع مجرد جانب واحد فقط من الأنوثة، أما الجانب الآخر فتعبر عنه ليليت التي ترمز للمساواة والفاعلية الجنسية والرغبة ورفض الإنجاب والأمومة.

وعليه فإننا نتعرف في كل من حواء وليليت على وجهين من الوجود الأنثوي، منفصلان عن بعضهما ومتنافران على الأغلب، ويمتلكان مشاعر عدائية تجاه بعضهما، يمثلان نمطين مختلفين من النساء: القديسة والعاهرة.

حواء، المرأة الحنون والوفية المخلصة والخاضعة للرجل، بالمقابل نجد ليليت تمثل حياة اللذة والرغبة والإغراء والشهوة والاستقلال، أما الرجال فهم دائماً مشتاقون إلى كلا الوجهين وخائفون في الوقت نفسه من كلا الوجهين من الأنوثة، إنهم يصدون خوفهم من الملل وفقدان الرغبة في الزواج بحواء من خلال المعشوقات أو الانغماس مع بائعات الهوى.

ونتيجة للخوف من القوة الأنثوية وجيَشان الرغبة والاستقلالية يحاولون قمع ومقاومة أي مظهر من مظاهر ليليت في كل امرأة وتحريمه أخلاقياً.

غير أن تحريم وإنكار ليليت بالنسبة للرجال والنساء معاً يعد منبعاً للمعاناة الوخيمة التي لا يمكن وصفها ولصراع الجنسين المرير وللعلاقات غير السعيدة، وهو السبب الكامن خلف ما يسمى "الاضطرابات المبكرة" لدى الأطفال.

*مظاهر عقدة ليليث

تحتوي عقدة ليليت على ثلاثة مظاهر مقموعة أو منكرة أو منقسمة أو مهملة أو محرمة من الأنوثة:

1- المرأة المساوية للرجل، والتي لاهي أدنى ولا أعلى منه، وإنما مساوية له، الناشئة من الأصل نفسه ومجهزة من ثم بالحقوق نفسها.

2- المرأة الفاعلة جنسياً، المستقلة برغباتها والتي تتمتع بقوة جذب وإغراء، الأمر الذي يجعلها غير مهتمة بأن يتم اختيارها و"أخذها"، وهي واعية لحاجاتها الجنسية، وتستطيع تأمين إشباع رغباتها ويمكن أن تكون معطاءة فاعلة في ممارسة الجنس.

3- المرأة الكارهة للأطفال التي ترفض الأمومة، كي لا تكون مربوطة ومأسورة وملزمة ومتعلقة.

تنشأ عقدة ليليت في المبكرة للعلاقة بين الأم وطفلها، فعندما تنجب امرأة تعاني من مشاعر النقص وتتسم بالخوف وعدم الثقة بأمومتها، فإن حيوية الطفل العارمة وحاجاته الملحاحة سوف ترعبها، لأنه قد تم تنشيط قَدَرَها الذاتي المبكر بشكل حتمي من خلال الطفل، الأمر الذي يجعلها تنقل عدم استقرارها الذاتي الناجم عن أزمتها المتذبذبة إلى طفلها، وسوف تنقل إلى طفلها الرفض والصد بشكل لاشعوري، طالما ظلت تتهرب من حقيقتها الذاتية المبكرة، ولم تتمثلها انفعالياً، بعكس كل القناعات والرغبات الشعورية المتمثلة في رغبتها في أنها ستقوم بالأمر بشكل أفضل من أمها، وهنا يتحول إنكار العدوانية تجاه الطفولة إلى مأساة.

فالطفل، غير المرغوب من أمه وغير المرحب به والمرفوض وغير المقبول في حيويته وفردانيته لا شعورياً، يدرك الرفض وانعدام قيمته منذ البداية، وهذا ما يجعل الطفل يشكك في حقه في الحياة وفي قيمته الذاتية، أما المأساة الحقيقية فتتمثل في أن مثل هذا الرفض يمكن أن يتم توصيله للطفل من الأم بصورة لا شعورية كلية- بالضبط كتعبير عن عقدة ليليت.

ونتيجة للجرح النرجسي للطفل ينشأ من الطفل "آدم"، الذي لا يستطيع أن يتحمل سوى "حواء" ضعيفة وخاضعة، كي يكون هو قوياً وصلباً، ومن البنت تنشأ "حواء" التي عليها أن تنكر قيمتها من تلقاء نفسها، كي يتم تحملها في العلاقة الزوجية، وكي لا تضطر للهروب إلى الوحدة، وكوالدين سوف يعيق "آدم وحواء" طفلهما في تفتحه الانفعالي ونشاطاته الحيوية، ويعتبرانه موضوعاً للتربية عليه أن يكون مجبراً على النظام والأدب والسيطرة على مشاعره، كي يتم لجم حيويته وتدفقه الجنسي الهدار، ومن خلال هذا الأمر يتم تحريف المرأة المستقبلية إلى امرأة مطيعة والرجل المستقبلي إلى مستفيد بارد لا حياة فيه.

غير أن القصور في الأمومة الطيبة والأصيلة بشكل خاص يجعل الطفل يعيش حالة نقص الأم "الفقدان النفسي للأم"، الأمر الذي يجعله في المستقبل، كرجل أو امرأة، يبحث في شريكه الزوجي عن بديل، وهو ما لا يتم أبداً بصورة مرضية على الإطلاق.

*عواقب ليليث وعقدتها

أما العواقب النفسية الاجتماعية لمركب ليليت فهي وخيمة، وتتمحور الأعراض العامة لدى كلا الجنسين حول ضعف التماهي كرجل أو كامرأة، بكل المخاوف وعدم الثقة في العلاقة الزوجية، إذ تلقي المرأة بنفسها طواعية -نتيجة حاجة لا شعورية- في موضع أدنى، تعذب من خلاله الرجل بأشواقها ورغباتها غير المحققة وتهدد العلاقة بخيباتها وحقدها وتدمرها، وتجعلها ليليت المكبوتة في داخلها تعيسة، ظمآنة، لوامة، متذمرة، تفرغ انفعالاتها من خلال سلوك تحاول المرأة فيه بشكل مباشر ومتخف الحصول على السلطة من خلال الشكوى والمعاناة والاتهامات.

والرجل في عقدة ليليت يظل غير مخلص وغير واثق من رجولته، ويحاول إخفاء ضعف تماهيه من خلال النقود والسلطة والوجاهة، فيسعى للحفاظ على علاقاته مسيطراً وسائداً من خلال التباعد، ويظل الاندماج المشحون بالحب والثقة مهدداً ويتم تلافيه، أما العلاقات بالنساء فيتم تجنيسها، وهكذا يتم تحقير التوق نحو شريكة مساوية بالقيمة من خلال الاستعمال الجنسي.

الجانب الآخر للمشكلة الكامنة نفسها يتم تفريغها من خلال العجز الجنسي، ومن خلال حرمان المرأة من الحصول على استجابة لتهيجها، من خلال برود جنسي، فتعاقب لوجودها كحواء.

وعادة يحاول كلا الجنسين التنافس مع بعضهما في علاقتهما نحو السعادة المفقودة، ففي طور العشق يبدو الآخر وكأنه يحقق ويرغب بكل الأشواق، إلى أن يرهق كلاهما الآخر في سباقه نحو التوكيد والاهتمام وأن يكون مقبولاً، وينقلان غضب خيبتهما الوجودية والمبكرة والموجودة أصلاً منذ أمد طويل نحو بعضهما، وهي ما كان يفترض أن يوجهانها بالأصل لوالديهما، ويدمران بهذا كل تقارب ودي وشفافية متفهمة لأزمتهما الذاتية.

ويتم بالنيابة توليد المعاناة من صراعات العلاقة الزوجية ومن الحروب الصغيرة اليومية والخيبات والاعتلالات المتكررة اللامتناهية، التي تصبغ الحياة الزوجية بطابعها، من أجل التمكن من إبراز صراعات مفهومة وقابلة للتحديد، وكي لا يجدا نفسيهما مجبران على تذكر قدرهما الباكر والغامض كلية، وبالتالي يتم تحويل المعاناة المبكرة التي لا تطاق إلى مأساة راهنة مستقرة ودائمة.

أما أهم جزء من عقدة ليليت، الذي يُعتبر مدمراً للحضارة ومصدراً أساسياً للعنف والحروب فهو المظهر المعادي للأطفال، أي الأم المرعبة والموحشة والمستنزفة والملتهمة، التي تسرق الأطفال المولودين حديثاً وتقتلهم.

أخيراً، فعقدة ليليت تجعل من الأمهات أمهات كاذبات، يخدعن أطفالهن بوعود الحب الزائفة، أكثر مما يستطعن منحه لهم في الواقع، ويردن في النهاية وبشكل لا شعوري أن يكافئهن أولادهن على مساعيهن الشديدة، لأنهن هن أنفسهن غير ممتلئات بحب الأم بالأصل، حيث يقمن عندئذ باستغلال حب أطفالهن، أما الرجال فيظلون في عقدة ليليت صبيان طفيليين متعلقين بالأم، ويتحولون إلى آباء محبطين أو هاربين، حيث لا يكونون موجودين كثالث محرر وموازن، لأنهم يستجيبون بغيرة مرضية على اهتمام زوجاتهم بأطفالهم، حتى وإن كانت هذه الأمومة تعاش ناقصة ومتشنجة.

وهكذا يتم إهداء عقدة ليليت غير المتغلب عليها عند الأمهات والآباء في كل الأحوال إلى الطفل على شكل نقص الأم.

والمرأة التي تنكر ليليت وتعيش حواء سوف تلحق بشكل حتمي بطفلها الأذى من خلال إنكارها اللاشعوري، وأنوثتها المخفضة والأحادية الجانب، وهذا يفسر لنا كثرة اضطرابات الشخصية النرجسية لدى كثير من الناس، عدا عن العنف الصريح النادر على سبيل المقارنة ضد الأطفال والخطر المتنامي لمرض مجتمع نرجسي متفش.

أما الرجل الذي تتكامل فيه كل من ليليت وحواء فلن يحول زوجته إلى أم له وسوف يعيش معها نداً وإغناءً وإكمالاً وتـنمية له، ويتشارك معها الحياة ويـبنيها بشكل فاعل وإبداعي، وهوالرجل المنفصل عن الأم، يتصرف بالفعل من داخله، من ذاته، دون أن يكون عليه لأن يحقق شيئاً أو يبرهنه أو يصارعه مدفوعاً بعوزه الداخلي.

 

عين الجمهورية

آخر تحديث: الخميس, 12 مارس 2015 13:38